فخر الدين الرازي

624

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السفينة ، وقوله : فِي الْجارِيَةِ يعني في السفينة التي تجري في الماء ، وهي سفينة نوح عليه السلام ، والجارية من أسماء السفينة ، ومنه قوله : وَلَهُ الْجَوارِ [ الرحمن : 24 ] . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 12 ] لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ( 12 ) قوله تعالى : لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً الضمير في قوله : لِنَجْعَلَها إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التي هي معلومة ، وإن كانت هاهنا غير مذكورة ، والتقدير لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة عظة وعبرة الثاني : قال الفراء : لنجعل السفينة ، وهذا ضعيف والأول هو الصواب ، ويدل على صحته قوله : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فالضمير في قوله : وَتَعِيَها عائد إلى ما عاد إليه الضمير الأول ، لكن الضمير في قوله : وَتَعِيَها لا يمكن عوده إلى السفينة فكذا الضمير الأول . قوله تعالى : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : لكل شيء حفظته في نفسك وعيته ووعيت العلم ، ووعيت ما قلت ويقال : لكل ما حفظته في غير نفسك : أوعيته يقال : أوعيت المتاع في الوعاء ، ومنه قول الشاعر : / والشر أخبث ما أوعيت من زاد واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قوم من الغرق بالسفينة وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم ونفاذ مشيئته ، ونهاية حكمته ورحمته وشدة قهره وسطوته ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم عند نزول هذه الآية : « سألت اللّه أن يجعلها أذنك يا علي ، قال علي : فما نسيت شيئا بعد ذلك ، وما كان لي أن أنسى » فإن قيل : لم قال أُذُنٌ واعِيَةٌ على التوحيد والتنكير ؟ قلنا : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن اللّه فهي السواد الأعظم عند اللّه ، وأن ما سواه لا يلتفت إليهم ، وإن امتلأ العالم منهم . المسألة الثانية : قراءة العامة : وَتَعِيَها بكسر العين ، وروى عن ابن كثير وَتَعِيَها ساكنة العين كأنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ ، فأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف ، وإنما فعل ذلك لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل ، فأشبه ما هو من نفس الكلمة ، وصار كقول من قال : وهو وهي ومثل ذلك قوله : وَيَتَّقْهِ [ النور : 52 ] في قراءة من سكن القاف . واعلم أنه تعالى لما حكى هذه القصص الثلاث ونبه بها عن ثبوت القدرة والحكمة للصانع فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة ، وثبت بثبوت الحكمة إمكان وقوع القيامة . ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة فذكر أولا مقدماتها . فقال : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 13 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ نَفْخَةٌ بالرفع والنصب ، وجه الرفع أسند الفعل إليها ، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل ، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ثم نصب نَفْخَةٌ على المصدر .